الموسوعة الأسلامية

من الملاحظ أن الساحة الفكرية الإسلامية تزدحم بالكثير من الضباب حول العديد من المصطلحات الإسلامية، الأمر الذى أدى إلى جدل عنيف فى الماضى والحاضر تقطعت به وشائج الوحدة الفكرية والثقافية، بل والدينية بين أبناء الأمة التى وصفها القرآن الكريم بقوله: ]إن هذه أمتكم أمة واحدة [ ( الأنبياء 92) وقد أدت الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التى مرت بالأمة الإسلامية منذ الفتنة الكبرى – التى يوصف بها ما كان من صراع مسلح  بين على ومعاوية – رضى الله عنهما – إلى ظهور العديد من الفرق الإسلامية المتناحرة فى فترات مختلفة من تاريخ الأمة الإسلامية. وتحاول بعض الفئات المعاصرة أن تعيد خلافات الماضى رافعة شعارات مضللة، ومفاهيم مغلوطة، وأفكارا خاطئة ، الأمر الذى أدى إلى حدوث نوع من البلبلة الفكرية لدى الكثيرين. وعلى الرغم من هذه الصورة السلبية فإن الأمة الإسلامية قد شهدت على الجانب الآخر صفحات مشرقة عكست عظمة الإسلام فى تعاليمه السامية ومبادئه الراقية التى قدمت للإنسانية أعظم حضارة عرفها الإنسان.

من هنا فأن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية وعلمائه الأجلاء قد أسهموا فى تجلية المصطلحات الإسلامية، وإزالة الغبار الذى علق بالكثير منها من أجل القضاء على البلبلة الفكرية التى أحدثتها الصراعات المختلفة. وذلك حماية للمسلمين من الاغترار بالشعارات المضللة، والدعايات الكاذبة التى يقصد من ورائها جر الأمة إلى متاهات لا يعلم إلا الله مدى ما تخبئه لها من مصير مظلم، فى وقت تحتاج فيه الأمة الإسلامية إلى تجنيد كل إمكاناتها للحاق بركب العصر، واحتلال مكانها اللائق بها على خريطة عالمنا المعاصر.

الديمقراطيـــــــــــــة

اصطلاحاً: يقصد بها حق الشعب فى أن يحكم نفسه بنفسه

وهو مصطلح مورث من العصر اليونانى، وكانت ممارسة الديمقراطية تتم فى عاصمة اليونان- أثينا- بأن يجتمع كل الناس فى كل مكان، وتعرض عليهم مسائل الحكم والسياسة، فيبدون رأيهم فيها، ويتخذون القرارات فى مختلف الشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال مجلس واحد يمثلون فيه جميعا. كان ذلك بالإمكان، لأن عدد الناس كانوا قلة، وكان الأحرار فقط هم الذين يمارسون هذا الحق السياسى الهام، حق تسيير أمور الدولة والمجتمع الذى يعيشون فيه.

ولا شك أن الديمقراطية فى هذا الشكل الذى وجدت فيه هى أفضل الأساليب للحكم والإدارة؛ إذ تعنى أن إرادة الشعب هى أساس الحكم فى الدولة، وأن الناس يحكمون أنفسهم بأنفسهم، ولا توجد سلطة فوقهم تسوسهم كما تهوى.

ولا شك أن مثل هذا النظام يجعل الناس تشعر بأهميتها، وتبذل أقصى جهدها فى العمل والإنتاج، ويسود فيه ولاء كامل؛ إذ أن الحاكم والمحكوم سواء فى حقوق المواطنة، وفى تسيير أمور المجتمع.

ولكن بعد التطورات التى حدثت فى تكوين المجتمعات وتزايد الأعداد بنسب كبيرة لم يعد ممكناً جمع الناس كلهم فى مكان واحد ليمارسوا سلطة الحكم، ومن ثَمّ أفرزت الديمقراطية ما يعرف بالنظام النيابى.

وهو نظام يقوم على تأسيس مجالس للشورى، واتخاذ القرار فى الشئون التشريعية، والرقابة على شئون التنفيذ من ممثلين للشعب يختارهم بكامل إرادته عن طريق الانتخاب من المواطنين.

كما أن الديمقراطية أوجدت نظام الفصل بين السلطات حتى لا تركز السلطات الخاصة بالحكم فى شخص واحد أو فى جهاز واحد، وإنما يجب الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بحيث تستقل كل سلطة فى ممارسة عملها عن السلطات الأخرى، مع وضع نظام للتعاون بينها، على أن تكون السلطة التشريعية هى المهيمنة على الشئون السياسية وأن تُعْطَى حقوق فى الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، ورقابة الإنفاق العام؛ بحكم أن القوانين التى تصدرها هى التى تحدد الأطر التى تسير وفقا لها باقى السلطات، بل هى التى تحكم الشعب كله الذى يجب عليه أن يطيع وأن ينفذ التشريعات التى تصدر عن البرلمان.

ويرتبط البرلمان والنظام التمثيلىّ بنظام الانتخاب، وبنظام الأحزاب وبالمجالس التشريعية، وهى أدوات ممارسة الديمقراطية فى المجتمعات الحديثة.

فلكى تتحقق الديمقراطية، يجب أن يمارس الشعب سلطته فى الترشيح والانتخاب للمجالس التشريعية، ويجب أن يكون من حق كل مواطن أن يرشح نفسه لهذه المجالس، وكذا أن ينتخب الأشخاص الذين يمثلونه فيها. وحتى إذا وضعت شروط للترشيح أو الانتخاب فيجب أن تكون شروطاً عامة يجب أن تتوافر فى الجميع دون تمييز بين أحد بسبب الجنس أو الدين أو اللون، ويجب أن تكفل عمليات الترشيح والانتخاب التعبير عن إرادة الشعب الحقيقية دون تزييف أو تزوير.

والشروط العامة تتصل عادة بالوصول إلى حد أدنى من السن أو التمتع بجنسية الدولة أو إجادة القراءة والكتابة، إلى غير ذلك من الشروط العامة.

وقد وُجِّهت العديد من السهام إلى الديمقراطية على أساس أن الأحزاب تحتكر عملية التمثيل، وأنها هى نفسها تخضع لسيطرة رأس المال الذى يشترى الأصوات ويؤثر فى إرادة الناخبين ويحتكر الترشيح للمجالس وللوظائف الهامة، وهو نقد صحيح. كما أن من أخطر عيوب الديمقراطية أن فئة جاهلة يمكن أن تؤثر على أعمال هامة مثل عمليات التشريع والحكم والإدارة، مما يجعل النخبة العالمة والمثقفة تزهد فى دخول هذا المجال، وهو نقد صحيح بدوره، وإن كان مثل هذا النقد لا يمنع القول بأن هذا النظام هو أفضل الأنظمة المتاحة للحكم فى الوقت  الحاضر.

أ. د/ جعفر عبد السلام

المراجع

1- أزمة الأنظمة الديمقراطية: عبد الحميد متولى ، منشأة المعارف الإسكندرية 1964م.

2- الأنظمة الانتخابية في العالم. حمدى حافظ- سلسلة كتب سياسية 1957 م.

3- المبالغ الدستورية العامة، عثمان خليل عثمان، مطبعة مصر 1956 م.

4- الشورى وأثرها فى الديمقراطية، عبد الحميد الأنصارى ، المكتبة العصرية- بيروت 980 ا م

الباطنيـــــــة

**********************

اصطلاحا: الباطنية لقب شامل لفرق كثيرة، حقيقة اتجاهاتها واحدة، وأزياؤها وأسماؤها مختلفة. وقد اتفق كثير من كتاب الملل والنحل على أن ألقابهم خمسة عشر أشهرها الباطنية، والقرامطة، والإسماعيلية، والمباركية، والسبعية، والتعليميةوالرافضة والإباحية ، والملاحدة، ، وا لزنادقة، والمزدكية، والبابكية، والخرمية،والمحمرة والخرمندينية ، وفى زماننا نجد البابية والبهائية (1).

ولا شك أن الدارسين للملل والأهواء والنحل فى مختلف الكتب والرسائل أمثال الفرق للبغدادى، والملل والنحل للشهرستاتى، والفصل فى الملل والأهواء والنحل لابن حزم، وتثبيت دلائل النبوة للقاضى عبد الجبار الهمذانى، وفضائح الباطنية للغزالى، وقواعد آل محمد الباطنية لمحمد بن الحسن الديلمى اليمانى. نقول: لاشك أن الدارسين لهذه الكتب وغيرها من كتب المؤرخين والعلماء، واجدون الكثير من حقائق عقائد الباطنية بوجه عام(2).لكن هناك رسالة صغيره (3). لا تزيد عن أربع وأربعين ورقة، كتبها واحد من أصدق فقهاء وعلماء السنة الذين عاشروا الباطنية

فترة طويلة، وهو العالم الفقيه محمد بن مالك بن الفاضل الحمادى اليمانى، أحد فقهاء السنة فى اليمن، فى أواسط المائة الخامسة للهجرة، هذه الرسالة لها خطورتها وقيمتها العلمية حقا وصدقا.. أما اسم الرسالة فهو: كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة. وهو يؤكد لنا (4). فى مقدمة رسالته: إنى رأيت أن أدخل في مذاهبهم لأتيقن من صدق ما قيل عنها من كذبه، ولأطلع على سرائرهم وكتبهم ليعلم المسلمون حقيقتهم وهو يرى(5). أن أشهر ألقابهم الباطنية لزعمهم أن لكل ظاهر باطناً، ولكل تنزيل تأويلاً. ويذكر أنهم يعرفون فى العراق باسم القرامطة نسبة إلى حمدان بن الأشعث الملقب بقرمط، وباسم المزدكية أيضاً بالنظر إلى أنهم يدينون بدين الاشتراك فى الأبضاع والأموال، ذلك الذى ابتدعه مزدك في عهد عبّاد الساسانى، ويسمون فى خراسان بالتعليمية والملاحدة، وبالميمونية نسبة إلى ميمون شقيق قرمط، وهو غيرميمون الديصانى القداح، لأنه ليس بفرع بل هو أصل البلاء كله، ويدعون فى مصربالعبيدية نسبة إلى عبيد الله المعروف، وفى الشام بالنصيرية والدروز والتيامنة، وفى فلسطين بالبابية والبهائية، وفى الهند بالبهرة والإسماعيلية، وفى اليمن بالياميّة نسبة إلى القبيلة المعروفة، وفى بلاد الأتراك بالكداشية والقزلباشية، وفى بلاد العجم بالبابية. وأشهر رجالهم حمدان قرمط فى الكوفة وقد خرج للدعوة سنة 264 هـ وأخوه ميمون المبعوث إلى خراسان، وأبوشامة الحسين، وعبدًان، وأبو سعيد بن بهرام الجنابى وقد خرج للدعوة سنة 286 هـ ثم ابناه طاهر الجنابى، وسعيد الجنابى، وابن حوشب، وأبو عبد الله الشيعى، وأخوه أبو العباسى المبعوثان للمغرب للدعوة إلى عبيد الله المهدى، والحسن بن مهران المقنع، وذكرويه بن مهرويه صاحب فتنة الشام والحسن بن الصباح.

والذى لا شك فيه أنه لم يكد يصبح النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى، حتى كانت هذه الدعوة قد انداحت فى العالم الإسلامى وسلكت سبيلها المتمرد على الشريعة وعلى الإسلام، وكان الدعاة يحتالون فى جذب الجماهير العامة، بإظهار الشعوذات والتخريفات أحيانا،وأحيانا بالاستغراقات والشطحات الصوفية.. وكانت أعلامهم بيضاء، فى الأغلب الأعم لزعمهم أن دينهم هو النور الخالص الذى تعرج النفوس إليه بعد طوافها وصدق مطافها -كما يزعمون- مع طاعة الأئمة، حتى نهاية

الحياة على الأرض.

وقد وضع الدعاة وأئمتهم الكبار مخططا (6) موافقا لجميع عوامّ الناس، وكان لهذا المخطط بلاغات سبعة أومراحل سبع،  وهى على وجه الإجمال:

1مرحلة التدرج: وتمضى على هذا  السلم السباعى أيضا لقداسة الرقم فى نظرهم (ا) للعامة (ب) لمن يفوق العامة قليلا.(جـ) لمن استمر عاما كاملا. (د) لمن استمر

سنتين (هـ) لمن استمر ثلاث سنوات (و) لمن دخل فى أربع سنوات (ز) لمرحلة الكشف

الأكبر.

2- مرحلة السّرية: وهى خاصّة بالدعاة، وخطتهم عدم البوح بالأسرار، وينادى الواحد منهم بالإمام الذى سيظهر ليخلص العالم من الشرور، وعن هذه الفكرة تمذهبت دعوى المهدى المنتظر والرجعة بكل ملحقاتها على أساس من رجعة عزير ابن الله، والمسيح عليه السلام كما يقولون.

3- مرحلة التفلسف: على أساس استغلال الأفكار وتطبيقها حرفيا. وفي هذا

المقام نجد نطرية العقل الكلى، والنفس الكلية وحلولها فى الناطق والنبى والأساس والإمام،

وهى مقتبسة من الفلسفة الهللينية.

4- إعداد الدعاة فى زى التّجار والوعاظ والمتصوفة وأرباب الحرف المختلفة

حسب بيئة كل بلد، ومناخه الزراعى والثقافى والفكرى، ومع كل داع مساعدون كثيرون،

ورسالتهم فى بداياتها الأولى تقمّص كل دعوة والتلوّن معها، ثم غرس البذور الجديدة لرسالتهم بعد ذلك على نهج ما يسمونه (بالتفرس والتأنيس والتشكيك والتعليق والربط والتدليس والخلع والانخلاع ثم التأويل).

5- زعزعة العقائد فى نفوس العامة، وإثارة التساؤلات العقلية حول أمثال الطواف حول الكعبة، أو تقبيل الحجر الأسود، أو رمى الجمار مثلاً.

6- التأويل بما يتفق والدعوة السرية، على أساس أن التأويل لخواص الخواص منهم، وهم الراسخون فى العلم، أما الشريعة الإسلامية المعروفة فهى للعوام ضعاف العقول كما يقولون.

7- التطلع الدائم ليل نهار للإمام المنتظَر رجوعه، وعلى بساط الانتظار الطويل للإمام المخلص، تتفجر القلاقل وتدور المذابح ضد الحكام والولاة طاعة للأمر المنتظر وإفساحا للمهدى المنتظر.

وقد وقفت الحركات الباطنية أمام القرآن والحديث بالذات موقفا غُنوصيا واضحا

يعتمد فيما يعتمد على أسلحة التأويل المذهبى والتحريف بما يدعم التأويل ووضع الأحاديث النبوية الكثيرة.. ولا شك أن اليهودية من البداية قد تعاونت تعاونا ضخماً مع الباطنية فى كل حركاتها وسكناتها وفى كل ما نسميه بالإسرائيليات حول كل المدخولات والتحريفات والتأويلات (7).

والذى لا شك فيه أن من ثمرات الباطنية ظهرت رسائل إخوان الصفا التى يقولون عنها وعن أسباب ظهورها للناس أن كثيرا من أئمتهم توجهوا إلى باب العلم: وفى أحمد،ليعرفهم الفرق بين الدين والفلسفة فاستجاب لهم وألف رسائل إخوان الصفا فى اثنتين وخمسين رسالة، وأخفى اسمه لأسباب سياسية ونشره. باسم (همايون) وحروفها بالجمل تساوى (وفىّ أحمد) وهو أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق المتوفى عام 212 هجرية، والواقع أنها من تأليف كثيرين تتباين معارفهم وأساليبهم ومناهجهم، وتتفق فى منهجها مع المناهج الباطنية (8).

أ. د/ عبد القادر محمود

المرجع

1- 2- الفكر الإسلامى والفلسفات المعارضة فى القديم والحديث- د عبد القادر محمود- ط 3 الهيئة العامة للكتاب 1984م (من 23- 66).

3- 5- رسالة : كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة لمحمد بن مالك بن الفاضل الحمادى اليمانى طبعت هذه الرسالة لأول مرة سنة 1357هـ- 1939 م بمطبعة الأنوار بالقاهرة عن مخطوطة يرجع تاريخها إلى سنة700هـ تحت رقم ب 31364 متداخلة مع رسالة أخرى لمؤلف آخر وانظر بالذات صفحات 8،11،19،20 منها.

6- المصدر السابق للعلامة اليمانى.

7-8- الفكر الإسلامى والفلسفات المعارضة- د. عبد القادر محمود

البيت الحرام

***********************

هو بيت الله الذى فرض الله الحج إليه لمن استطاع إليه سبيلا وهو البيت المحرم، والبيت العتيق، والمسجد الحرام، وكانت العرب تسمى كل بيت مربع كعبة، وأمر الله المسلمين أن يتخذوه قبلتهم فى صلاتهم، وهو أول المساجد الثلاثة التى لا تشد الرحال إلا إليها:

وهى المسجد الحرام، والمسجد النبوى فى المدينة، والمسجد الأقصى.

والبيت الحرام هو أول بيت مبارك وضع للناس ليعبدوا فيه الله عز وجل، ويهتدوا بفضله إلى الصراط المستقيم: ] إنَّ أوَّل بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدُى للعالمين [ (آل عمران 96).

وحين تأذن الله سبحانه وتعالى بأن ترفع قواعده بوأ لإبراهيم الخليل مكانه، وأمره أن يشيده ويرفع قواعده، ومعه ابنه إسماعيل  u.

ووصف أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقى الكعبة التى بناها إبراهيم  u. بأنها كانت بناء ذا جوانب أربعة، بارتفاع 9 أذرع وطول جداره الشرقى 32 ذراعا، والغربى 31، والشمالى 22، والجنوبى 20،وكان بابها إلى الأرض (1).

وجعل إبراهيم عليه السلام فى جدارها الحجر الأسود علامة على بدء الطواف حولها، ثم أعيد بناء الكعبة قبل البعثة بنحوعشر سنوات، واشترك النبى r فى أعمال البناء مع أشراف قريش ورجالها، وكان ذلك بعد حملة أبرهة الفاشلة على البيت الحرام فى سنة 570 ميلادية، التى أشار إليها القرآن الكريم فى سورة الفيل.

وبعد فتح مكة مباشرة أمر النبى r بتطهير الكعبة مما فيها من تماثيل وصور وأصنام، ولم يكن للبيت الحرام جدران تحده إلى أن قرر عمربن الخطاب t  بعد أن ولى الخلافة أن يبنى حوله جدرانا ارتفاعها أقل من القامة، وذلك فى السنة السابعة عشربعد الهجرة.

وأجرى عثمان بن عفان t توسعة ثانية فى السنة السادسة والعشرين بعد الهجرة، ويقال إنه جعل للمسجد أروقة.

وأجريت على البيت الحرام عمائر أهمها:بناء الكعبة على يد عبد الله بن الزبيرفى العقد السابع بعد الهجرة، وإعادة بنائها على يد الحجاج بن يوسف الثقفى فى عهد عبد الملك بن مروان بعد ذلك ببضع سنوات، وعمرت الأروقة فى عهد الوليد بن عبد الملك، وفى عهد الخليفة العباسى المهدى بن المنصور، وفى عهد السلطان المملوكى الناصر فرج بن برقوق، والسلطان الأشرف برسباى، وأعيد بناء الكعبة من جديد فى سنة 1040هـ فى عهد السلطان العثمانى مراد الرابع.

ونتيجة لهذه العمائر صار الحرم مستطيلا أقرب إلى التربيع، ويحيط به من جهاته الأربع أروقة تشتمل على صفوف من الأعمدة تحمل عقودا، وتسقف كل بلاطة تحف بها أربعة أعمدة قبة، قاعدتها مستديرة، وقمتها مدببة، وتقوم الكعبة المكرمة فى وسط الحرم، ولكن بميل إلى الجنوب وبجانبها حجر إسماعيل وحولها المطاف، وفى شرقها ، بئر زمزم، وبجوار المطاف مقام إبراهيم، وباب الكعبة مرتفع عن الأرض، وللمسجد خمسة وعشرون بابا، وسبع مآذن.

وكانت الحكومة المصرية تتشرف بكسوة الكعبة المكرمة حتى قيام المملكة العربية السعودية التى أولت البيت الحرام عناية فائقة من حيث التوسعة والعمارة والتجهيز،كما قامت بعمل كسوة الكعبة الشريفة

أ.د/ حسن الباشا

1-أخبار مكة وما جاء بها من الآثار. الأرزقى.

المراجع

1- دليل مكة والمدينة . غلام على.

2- الرحلة النابلسية المعروفة بالحقيقة والمجاز فى رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز: عبد الغنى النابلسى.

3- مرآة الحرمين: إبراهيم رفعت.

4- العمارة العربية: فريد شافعى.


البهائيــــــــة

**********************


البهائية نسبة إلى بهاء الله، وهو حسين على المازندرانى، الذى سمى نفسه بهاء الله، وكان له دور كبير فى مساندة الحركة البابية، وتخطيطه لها من وراء ستار، مستغلا لكل الظروف والشخصيات فى دعمها لتحقيق مآربه، وهو مختف حتى لا ينكشف أمره. وقد تعاون مع الروس وعملائهم عندما كان فى إيران، ولما انتقل إلى تركيا ثم فلسطين أخذ فى التعاون مع المؤسسات اليهودية العالمية، والاستعمار الإنجليزى. ولما وجد أن أخاه يزاحمه على زعامة الحركة بعد هلاك الباب همّ بقتله، ودبر مذبحة من أشنع ما عرف فى التاريخ، قضى فيها على أعوان أخيه قتلاً بالسواطيروالجنازير المسمومة فى وحشية يندى لها جبين الإنسان خزياً وعاراً.

بعد أن هلك الباب ادعى البهاء أنه خليفة القائم (الباب) ثم ادّعى أنه القائم نفسه، ثم تقدم خطوة أخرى فادعى أن القائم (الباب) كان ممهداً له، فلهذا فهو.. القيُّوم ثم انتحل مقام النبوة، وأخيراً ادعى الألوهية والربوبية، وأنه مظهر الحقيقة الإلهية، التى لم تصل إلى كمالها الأعظم إلا حينما تجسدت فيه، وأن كل الظهورات الإلهية التى سبقت منذ آدم مروراً بالأنبياء جميعا كانت درجات أدنى حتى وصلت إلى كمالها فى تجسدها فى شخصه وذلك لأنهم يؤمنون بالحلول.

وكان البهاء يغطى وجهه بقناع موهما من يلقاه أن بهاء الله يعلوه وقد ترك البهاء بعض الكتب والرسائل منها:

ا- الإيقان، وقد كتبه لما كان فى بغداد تأييداً لدعوى ” الباب “.

2- وله عدة رسائل بعضها كتبه بالعربية وبعضها بالفارسية، ومن أسماء هذه الرسائل ” الأ لواح ” ” الإشراقات “، ” الهيكل”، ” الكلمات الفردوسية “، ” العهد “.

3- وأشهر كتبه “الأقدس، وقد كتبه فى السنوات الأخيرة من حياته ادعى أن الأحكام التى وردت فيه نزلت من سماء المشيئة الإلهية، وأن جميع ما نزل فى الكتب المقدسة قد نسخ لعدم انسجامها مع احتياجات الإنسان المعاصر، وكتاب “الأقدس ” مجموعة من الخواطر تتحدث عن الإلهام والحلال والحرام والمواعظ، ومخاطبة الأمم والملوك، وبعض الألغاز التى تشير إلى الحروف مثل قوله:يا أرض الطاء لاتحزنى من شيء قد جعلك الله مطلع فرح العالمين..يا أرض الخاء نسمع فيك صوت الرجال فى ذكر ربك الغنى المتعال.

وبعد موته آل أمر الحركة إلى ابنه عباس عبد البهاء، ومن بعده حفيده شوقى ربانى، ثم آل الأمر إلى أحد اليهود الأمريكان، وكان اسمه ميسون.

ومن عقائدهم أنهم يعبدون البهاء، ويتوجهون إلى قبره بالعبادة، ويحجون إليه، ومن كلامه فى ذلك: “من توجه إلى فقد توجه إلىّ المعبود أما الذين يتوجهون بعبادتهم إلى الله، فإنما يتوجهون بها إلى وهم أفكته الظنون”.

والصلاة عندهم تسع ركعات فى الصباح والزوال والآصال أوقات طلوع الشمس وتوسطها ومغيبها، ويقدسون العدد (9) لأنه مجموع حروف (بهاء) والقبلة كانت فى حياة البهاء إلى قصره، وبعد موته إلى قبره، والصوم 19 يوما، والزكاة لمن يملك مائة مثقال من الذهب يؤخذ منه 19 مثقالا. والحج إلى قصر البهاء فى حياته والى قبره بعد موته.

والزواج للرجل أن يتزوج بامرأتين، ولم يحرم من النساء إلا الأم فقط، وإذا اقترن الزوجان عاما ولم يتفقا انفصلا بالطلاق والربا مباح والجهاد محرم، والميراث حسب ما اتبع البابية.وهم يكفرون بالآخرة متابعة لأسلافهم البابية والباطنية من قبل ولهم تأويلات يحِّرفون بها الكلام عن معانيه، ومن أمثال هذه التأويلات:

القيامة: حلول روح الله فى جسد بشرى.

البعث: اليقظة الروحية.

رؤية الله: هى رؤية الجسد البشرى الذى حلّت فيه روح الله.

الجنة: رياض المعرفة التى فتحت أبوابها فى عهد البهاء.

النار: الحرمان من معرفة الحقيقة الإلهية التى ظهرت فى جسد الباب أو الكفر بأن البهاء هو رب العالمين.

ولهم ا تأويلات كثيرة ترجع جميعها إلى الكفر باليوم الآخر كما جاء فى القرآن الكريم والكتب المقدسة السابقة.

أ. د/ محمد إبراهيم الجيوشى

المراجع

ا- البابية والبهائية : أ. د/ محمد إبراهيم الجيوشى- ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة- سلسلة دراسات إسلامية سنة 1998.م

2- وثائق البهائية- دكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطى- ط الأهرام- القاهرة

البـــــــوذية

أحد الأديان العالمية من حيث عدد من يعتنقونها، إذ هى الدين السائد فى كثير من دول آسيا (الصين، اليابان، نيبال، جاوة، سومطرة، بورما، سيلان، سيام) نسبت إلى اللقب الذى اشتهر به مؤسسها بوذا (560- 480 ق. م)، ومعناه فى اللغة السنسكريتية: المستنير، أو العالم، أو العارف.

ولد بوذا فى بلدة هندية على حدود نيبال لأسرة نبيلة، إذ كان أبوه أميراً، وتزوج فى التاسعة عشرة من عمره. وعندما بلغ العام التاسع والعشرين انصرف إلى الزهد والتأمل، فهجر زوجته، وخرج هائماً فى الأحراش راغباً عن الدنيا، غير معنىّ إلا بالتأملات، رائضاً نفسه على خشونة الحياة. وبعد ست سنين ادعى أن نوعاً من المعرفة قد وقع فى نفسه، وقذف بنور فى قلبه، ويقول فى وصف هذا الإحساس: “سمعت صوتاً من داخلى يقول بكل جلاء وقوة: نعم فى الكون حق، أيها الناسك، هنالك حق لا ريب فيه، جاهد نفسك اليوم حتى تناله. فجلست تحت تلك الشجرة فى تلك الليلة من شهر الأزهار، وقلت لعقلى وجسدى: اسمعا لا تبرحا هذا المكان حتى أجد ذلك الحق، لينشف الجلد، ولتنقطع العروق، ولتنفصل العظام، وليقف الدم عن الجريان، لن أقوم من مكانى حتى أعرف الحق الذى أنشده، فينجينى.

ويذكر أيضاً أنه تم له فى هذه الجلسة الإشراقة التى كان يترقبها. ويراها بعض الباحثين الغربيين وحياً، ويصورها بوذا بأنها صوت حادثه، مما دفعه إلى الدعوة إلى

تعاليمه بالقول والعمل، فآمن بدعوته كثير، وانطلقوا فى شبه الجزيرة الهندية دعاة ومرشدين فنما عددهم بمرور الأيام، وانتشر مذهبهم، وبوذا من ورائهم يدفعهم ويحمسهم إلى أن مات فى الثمانين من عمره.

كانت حياته ساذجة، لا تعقيد فيها ولا تزيد عن زهد فى الحياة، وميل إلى تعذيب الجسد ليتخلص كليا من الألم بعد الموت، كما كان يدعو إلى سلوك ( الممر الاوسط) بين التلذذ والزهد الخالص فى الدنيا، ويقول: إن لهذا الممر ثمانى شعب، هى: الآراء السليمة، والشعور الصائب، والقول الحق، والسلوك الحسن، والحياة الفضلى، والسعى المشكور، والذكرى الصالحة والتأمل الصحيح.

كما يرى أن المرء يمر بأربعة أطوار، تنكسر خلالها جميع القيود التى تكبل الإنسان، وتمنعه من الوصول إلى الكمال الإنسانى فإذا بلغ الطور الرابع يكون قد أدرك الهدف الذى يسعى إليه وهو النرفار وما هى النرفار؟ هى الطور الرابع الذى يبلغه الزاهد، ولكنه لم يذكر شيئا عن “العلة الأولى” الذى يدير دفة الكون. ومن هنا جاء الخلاف بين العلماء حول وضع الإله فى تعاليم بوذا، فهناك من يرى أنه أنكر وجود إله خالق للكون، ويقول أنصار هذا الرأى: إنه كان يعتقد أن فى العالم فقط روحاً عاما متغلغلا فى كل شىء. ومنهم من يرى أن مذهبه إصلاحى خلقى أكثر منه دينى.

وقد أحدث بوذا بإهماله الاتجاه الإلهى ارتباكا فى الفكر بين أتباعه ، فلعبت بهم الأهواء، فاتجه بعضهم إلى الاعتقاد بأن بوذا ليس إنسانا محضا، بل إن روح الله قد حلت فيه، بل تطورالأمر إلى اعتباره كائنا إلهيا، وضعوا له تمثالا بين آلهة الهندوسية ولم يعارض الهندوس ذلك، لأن العقل الهندى لا يضيره أن ينضم إله جديد إلى ما يعترف به من آلهة.

أما كتب البوذيين فلا يدعون أنها منزلة ولا ينسبون ما فيها إلى جانب إلهى، بل هى عبارات منسوبة إلى بوذا، أو حكاية لأفعاله،أو نقل لما أقروه من أعمال أتباعه.

ولا تعتبر البوذية فى تعاليمها إضافة فى عرض الآراء على يد غير المستأثرين بها

قديما من سدنة الكهنة والمحراب.

أ. د/ محمد شامة

المراجع

1- الله: عباس العقاد، دار المعارف بمصرط 6،1969 م.

2- مقارنة الأديان- محمد أبو زهرة، دار الفكر العربى.

3- أديان الهند الكبرى: أحمد شلبى، مكتبة النهضة المصرية ط 2،1969 م-

4- بحوث فى علم الأديان المقارنة: محمد شامة، مطابع المدنى بمصر 1972 م.

5- حياة بوذا: فاردينان هارولد، تعريب: فيليب عطا الله دار الروائع الجديدة- لبنان 1975 م.

الدهــريـــــــــــــــــــــة

“الدهرية” هى أصل كل مذاهب الإلحاد والمادية التى عرفتها البشرية، فهى مذهب كل من اعتقد فى قدم الزمان والمادة والكون، وأنكر الألوهية والخلق والعناية والبعث و الحساب. ويتوازى مع إنكار البعث والحساب عقيدة  (تناسخ الأرواح) الذى يعتقد أصحابها بأن أرواح البشر تنتقل من جسد كائن حى (إنسان أو حيوان) إلى جسد كائن حى آخر بعد موت الأول، فتشقى هذه الروح أو تسعد حسب ما اكتسبه الإنسان الذى كانت حاله فى جسده إن خيرا فخير وإن شراً فشر.

وقد لخص القرآن الكريم عقيدة الدهريين فى آية كريمة، فى قوله تعالى: } وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يُهلِكنا إلا الدهر{ (الجاثية 24). آما الخلق والتدبير للكون فينسبونه للكواكب (1).

وُيْرجع المستشرق “دى بور” نشأة هذا المذهب إلى أصول فارسية، ويرى أن كلمة “الدهرية” تقابل ” الزروائية” نسبة إلى “زروان ” أو “زرفان ” وهى تعنى فى اللغة الفارسية “الدهرية”، كما يرجع تاريخه إلى عهد يزدجرد الثانى (438-457)، وهو آخر ملوك الدولة الساسانية قبل الفتح الإسلامى (39 هـ/ 651 م) (2). ويعرِّف الشهرستانى أصحاب هذا المذهب: “بأنهم أولئك الذين أنكروا خلق العالم والعناية الإلهية، ولم يسلِّموا بما جاءت به الأديان الحقة، وقالوا بقدم الدهر، وأن المادة لا تفنى” (3).

ويمكن اعتبار الفلسفة الوضعية الحديثة وكذلك الفلسفة الماركسية أحدث صور الدهرية القديمة.

أ. د/1لسيد محمد الشاهد

المراجع

1- المغنى فى أبواب التوحيد والعدل للقاضى عبد الجبار الهمذانى 5/156-157 الدار المصرية للتأليف والترجمة- القاهرة د. ت.

2- تاريخ الفلسفة- دى بور- ترجمة الدكتور عبد الهادى ابو ريدة ص 15- القاهرة- 1957م ط 4.

3- الملل والنحل الشهرستانى 1/201- المطبعة الأميرية- القاهرة- 1317 هـ.

الظـــــــــاهرية

الظاهرية: مذهب من المذاهب الفقهية البائدة تتسب إلى أبى سليمان داود بن على ابن خلف الأصبهانى المعروف بالظاهرى ، ولد بالكوفة سنة 202 هـ. وأخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبى ثور وغيرهما.

وكان أكثر الناس تعصبا للشافعى وصنف فى فضائله والثناء عليه كتابين، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، ثم انتحل لنفسه مذهبا خاصا أساسه العمل بظاهر الكتاب والسنة ما لم يدل دليل منهما أو من الإجماع على أنه يراد به غير الظاهر، فإن لم يوجد نص عمل بالإجماع ورفض القياس رفضا باتا وقال: إن فى عمومات النصوص من الكتاب والسنة ما يفى بكل جواب.

صنف داود كثيرا من الكتب منها كتبه فى أبواب الفقه ومنها فى الأصول كتاب إبطال التقليد، وكتاب إبطال القياس، وكتاب خبر الواحد وكتاب الخبر الموجب للعلم، وكتاب الحجة، وكتاب الخصوص والعموم ، وكتاب المفسر والمجمل وغير ذلك من الكتب، وقد انتهت إليه رئاسة العلم فى بغداد.

وممن أخذ عنه وسار على مذهبه ابنه محمد وكان فاضلا صنف كثيرا من الكتب، ومن متبعى داود والمؤلفين على مذهبه أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس توفى سنة 324هـ.

وقد استمر مذهب داود متبعا إلى منتصف القرن الخامس الهجرى ثم اضمحل، وله آراء خالف فيها الجمهور نتجت من ترك القياس والعمل بظاهر الكتاب والسنة، ومن يطلع على كتاب “المحلى” لأبى محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسى المتوفى سنه 456هـ. يرى فيه كثيرا من تلك المسائل، وصار إلى مذهب أهل الظاهر ومهر فيه باجتهاد زعمه فى أقوالهم، وخالف إمامهم داود.

وفى طبقات الشافعية لابن السبكى هل يعتد بخلاف الظاهرية فى الفروع أم لا؟ وحكى فى ذلك ثلاثة أقوال:

أحدها: اعتباره مطلقا وهو الصحيح. والثانى : عدم اعتباره مطلقا ونسبه الأستاذ أبو إسحاق إلى الجمهور.

والثالث: اعتباره إلا فيما خالف القياس الجلىّ.

وحكى ابن السبكى عن والده أن داود لا ينكر القياس الجلى وانما ينكر الخفى فقط.

قال عنه الذهبى: داود بن على بصير بالفقه، عالم بالقرآن، حافظ للأثر، رأس فى معرفة الخلاف من أوعية العلم، له ذكاء خارق، وفيه دين متين، وكذلك فى فقهاء الظاهرية جماعة لهم علم باهر وذكاء قوى. وقال ابن خلدون: ثم أنكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظاهرية وجعلوا المدارك كلها منحصرة فى النصوص والإجماع وردوا القياس الجلىّ والعلة المنصوصة إلى النص، لأن النص على العلة نص على الحكم فى جميع محالها،  ثم  درس مذهب أهل الظاهر بدروس أئمته أنكار الجمهور على منتحله.

أ.د/ فرج السيد عنبر

المراجع

ا- تاريخ التشريع الإسلامى ، للشيخ محمد الخضرى ص 195 وما بعدها.

2- سير أعلام النبلاء13/107 وما بعدها

3- مقدمة ابن خلدون ص 446 وما بعدها .

السلفــــية

لغة: نسبة إلى السلف، والسلف هو الماضى، والسالف: المتقدم (لسان العرب) وفى القرآن الكريم: ] فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف [ (البقرة 275).

واصطلاحاً: هى الرجوع فى الأحكام الشرعية إلى منابع الإسلام الأولى، أى الكتاب والسنة، مع إهدار ما سواهما.

ومع وضوح هذا التعريف للسلفية، تعددت فصائل تيارها فى تراثنا وفكرنا الإسلامى، فكل السلفيين يعودون فى فهم الدين إلى الكتاب والسنة، لكن منهم فصيلاً يقف فى الفهم عند ظواهرالنصوص، ومنهم من يعمل العقل فى الفهم، ومن الذين يعملون العقل: مسرف فى التأويل، أو متوسط، أو مقتصد. ومن السلفيين: أهل جمود وتقليد، ومنهم أهل التجديد، الذين يعودون إلى المنابع لاستلهامها فى الاجتهاد لواقعهم الجديد.

“ومن السلفيين مَنْ سلفُهم – ماضيهم- فكر عصر الازدهار  الحضارى والخلق والإبداع، ومنهم مَنْ سلفهم- ماضيهم- فكرعصر التراجع الحضارى والتقليد والجمود.

ومن السلفيين مقلدون لكل الترات، دونما تمييز بين الفكر وبين التجارب، ودونما تمييز فى الفكر بين الثوابت وبين المتغيرات، ومنهم مستلهمون لثوابت التراث، مع الاسترشاد بتجارب ومتغيرات التاريخ. ومن السلفيين من يعيشون فى الماضى، ومنه من يوازن بين السلف الماضى ويين الحاضر والمعاصر. وهذا التنوع الذى يقترب أحياناً من درجه التناقض، فى مناهج فصائل السلفية، هو الذى أحاط مضامين هذا المصطلح، وخاصة فى فكرنا المعاصر بكثير من الغموض، وسوء الفهم، بل وسوء الظن أيضا! ومن أشهر”المدارس الفكرية التى حاولت الاستئثار، فى تراثنا، بمصطلح السلفية هى مدرسة أهل الحديث التى هالها الوافد اليونانى- فلسفة ومنطقا- وأفزعتها عقلانية اليونان المنفلتة من النقل الدينى، فاعتصمت بالنصوص، مقدمة ظواهرها، بل وحتى ضعيفها على الرأى والقياس والتأويل وغيرها من ثمرات النظر العقلى، وهى المدرسة التى انعقدت زعامتها للإمام أحمد بن حنبل (164 – 241 هـ/ 780-855م) حتى ليحسبها البعض كل السلفية، بينما هى فى الحقيقة واحدة من فصائل هذا الاتجاه.

وفى منهاج هذه المدرسة يعلو النص على غيره، بل ويكاد أن ينفرد بالحجية، فالنص، وفتوى الصحابة، والمختار من فتوى الصحابة عند اختلافهم، والحديث المرسل والضعيف، ثم القياس للضرورة- هى الأصول الخمسة التى حددها الإمام أحمد بن حنبل أركاناً لمنهج هذه المدرسة رافضاً بذلك الرأى، والقياس، والتأويل، والذوق، والعقل، والسببية فى الفكر الدينى.

وعن هذا المنهج النصوصى “للسلفية- النصوصية” كما صاغه الإمام أحمد بن حنبل – يقول واحد من أعلامها هو الإمام ابن قيم الجوزية (691- 751 هـ 292 1- 1350م): الأصل الاول: النصوص. فإذا وجد النص أفتى به. ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه، كائناً من كان- ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملاً ولا رأيأ ولا قياساً ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف. الأصل الثانى: ما أفتى به الصحابة. فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى، لا يُعْرَفُ له مخالف منهم فيها، لم يَعْدُها إلى غيرها. ولم يقدم عليها عملاً ولا رأياً ولا قياساً.

الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة تخيّر من أقوالهم ما كان أقريها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول.

الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف، إذا لم يكن فى الباب شيء يدفعه، وهو الذى رجحه- أى الحديث الضعيف- على القياس.

الأصل الخامس: القياس للضرورة، فإذا لم يكن عنده فى المسألة نص، ولا قول الصحابة، أو واحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى القياس، فاستعمله للضرورة.

وعن المنهاج التجديدى لهذه السلفية العقلانية يعبر الإمام محمد عبده (1265- 1323 هـ/1849- 1905م) عندما قال: لقد ارتفع صوتى بالدعوة إلى تحرير العقل من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف، والرجوع فى كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشرى التى وضعها الله لترد من شططه، وتقل من خلطه وخبطه، لتتم حكمة الله فى حفظ نظام العالم الإنسانى، وأنه على هذا الوجه يعد صديقاً للعلم، باعثا على البحث فى أسرار الكون، داعياً إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالباً بالتعويل عليها فى أدب النفس وإصلاح العمل.ففى منهاج هذه السلفية العقلانية تأخى النص والعقل، وتزامل العلم والدين، وتأزرت السلفية والتجديد.

أ. د./ محمد عمارة

المراجع

1- عقائد السلف للإمام أحمد بن حنبل وآخرين -تحقيق د./ على سامى النشار، و د./ عمار طالبى، ط- الإسكندرية 1971 م.

2- إعلام الموقعين لابن القيم، ط بيروت سنة 1973 م.

3- الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، دراسة وتحقيق د./ محمد عمارة. ط -دار الشروق القاهرة 1993 م.

4- تيارات الفكر الإسلامى د./ محمد عمارة، ط. دار الشروق القاهرة 1998 م.

الوهـــــابيـــــة :

  1. تنسب الوهابية إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن على الذى ولد فى العيينة بمنطقة نجد بالجزيرة العربية (1115 هـ/703 1م).

والمقصود بالوهابية مجموعة المبادئ التى جهر بها الشيخ، وتتلخص فى:

1- التوحيد، والعودة إلى أصول الإسلام الصحيحة.

2- الجهاد فى سبيل ذلك، وجواز قتال مانعى الزكاة وتاركى الصلاة.

  1. 3- ترك زيارة القبور؛ لأن الميت بعد الدفن أحوج إلى الدعاء، لا أن يدعى به. ويضاف إلى هذا منع اتخاذ التمائم، والتبرك بالشجر وا لحجر، والذبح لغير الله، والنذر لغير الله، والاستعاذة بغير الله، والعبادة عند القبور.

وهى أمور موافقة لمبادئ الإسلام، مؤكدة له، وغير جديدة. أما تجديد الدعوة آنذاك إلى التمسك بها فيعنى أن المجتمع الذى نشأ فيه الشيخ كان قد خرج عليها، أو أنه لم يعد متمسكا بها. وفى هذا يقول معاصروه الذين ترجموا له إن “دعوته ” جاءت بعد أن قرأ العلم ورأى ” كثرة جهل الناس بدين نبيهم  ” ،  وأنه رأى الناس فى العراق ” مفتونين فى حب الدنيا، ورآهم فى العيينة مفتونين فى عبادة الأوثان. وعندما وصلت أنباء دعوته إلى المدينة المنورة قال أستاذه الشيخ محمد بن سليمان الكردى ” إنه  شاذ عن السواد الأعظم “. وكان أسلوبه في الدعوة يقوم على أخذ العهود والمواثيق على الناس لإقامة الدين.

ويذهب بعض الدارسين إلى القول بأن الوهابية، تتشابه مع ما سبق أن  نادى به ابن تيمية فى بلاد الشام قبل ذلك بأربعة قرون (الشيخ تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى 1 66- 728 هـ/ 263 1- 328 1 م الذى قال: إن الشهادتين وحدهما لا تكفيان ما لم يلتزم قائلهما بالشرائع والواجبات، واعترض على المقامات والأنصاب، وعلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين. وقد أثارت آراء ابن تيمية قلقا فى نفوس العلماء والحكام فى مصر والشام والعراق تحت حكم المماليك وانتهى أمره بالسجن حتى وفاته.

أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب فلم يواجه حكومة مركزية شأن ابن تيمية، فالجزيرة العربية آنذاك كانت مجموعة من الإمارات المتناثرة ولا تخضع لسلطه مركزية.

وكانت الإحساء والمناطق الشرقية من الجزيرة ميدانا مثاليا لنشر أفكاره، فأهل السنة فيها يشكلون أقلية، ويشكل الشيعة والخوارح أغلبية، فضلا عن الإباضية في عمان، والنجديون حنابلة، وبالتالى كان أولئك جميعا أقرب من غيرهم إلى آراء الشيخ. وأما أهل الحجاز فهم من الشوافع الذين يرون فى أنفسهم أكثر تفهما للدين وأقدر على تفسير أحكامه.

ولقد واجه الشيخ محمد بن عبد الوهاب مصاعب فى نشر أفكاره فى حريملاء التى كان بها عند وفاة والده، وفى العيينة التى اضطر أميرها عثمان بن معمر إلى إخراجه منها امتثالا لأمير الإحساء  (سليمان بن محمد) الذى هدده بقطع الخراج عنه. وذهب لاجئا إلى الدرعية فى ضيافة الأمير محمد بن سعود، وسرعان ما تفاهما، إذ قال الأمير للشيخ ” أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعزة والمنعة “. وقال الشيخ للأمير “وأنا أبشرك بالعزة والتمكين “. وأصبحت الدرعية دار هجرة لأتباع الشيخ الذين هاجروا إليها. وقبل الشيخ بسلطة الأمير، واحتفظ لنفسه بمقام دينى ، وأعطاه حق تقديم نصائح ملزمة للأمير الحاكم، حتى بدا أن سلطة الشيخ تعلو سلطة الأمير. وهكذا نشأ الإطار السياسى للوهابية. وقد أوفى آل سعود بالعهد لآل الشيخ ولم يتغير تقديرهم لهم على مر السنين إذ احتل آل الشيخ المراكز الرئيسية فى الإفتاء والتعليم فضلا عن رابطة النسب فيما بينهم.

وقد كان الأمير عبد العزيز بن محمد آل سعود- الحاكم الثانى للدولة السعودية الأولى   1158 – 233 1 هـ- 745 1- 8 81 1م، أقرب آل سعود إلى قلب الشيخ، وأكثرهم تمسكا بمبادئه وتقيدا بنصائحه، وهو الذى جعل للشيخ المقام الأول فى الدولة. وعلى هذا نشأ تلازم بين “الوهابية، و” السعودية”، وأصبح المصطلحان وجهين لعملة واحدة، فبفضل الوهابية أقام آل سعود دولتهم الأولى التى شملت جبال شمر (1790 م) ، والإحساء (1791 م)، وساحل عمان وقطر والبحرين (799 1م)، والحجاز وعسير (802 1م)، وهددت المناطق الجنوبية فى بلاد الشام حتى حوران،  والمناطق الجنوبية الشرقية من العراق. ومن هنا بدأ العالم خارج الجزيرة العربية يسمع عن “الوهابية”، وصار التدخل العثمانى أمرا محتوما فكان ما كان من حملة محمد على باشا والى مصر العثمانى التى حطمت الدرعية وأخرجت آل سعود من أغلب الحجاز (1811- 1818م). ثم أعيدت دولة آل سعود مرة ثانية ثم مرة ثالثة على يد الملك عبد العزيز فى ثلاثينات القرن العشرين.

ولما كانت “الوهابية ” تمثل مرجعية لشرعية وجود آل سعود فى الحكم، فقد حافظوا عليها، واندفعوا بها، وحددوا علاقاتهم بالآخرين على أساسها حتى ولو اضطروا لاستخدام العنف فى سبيل إقرارها. وهو أمر صدم ضمير عامة المسلمين الذين يعتبرون أنفسهم “حسنى الإسلام “، إذ حمل الوهابيون أكثر الأمور الدينية على ظاهرها، فبدا المذهب وكأنه حركة للاحتجاج والإثارة لا للهداية والتقويم .

أ. د/ عاصم أحمد الدسوقى

المراجع

1ـ ابن بشر (عثمان)، عنوان المجد فى تاريخ نجد، ط 1، القاهرة 1373 هـ.

2- تاريخ بعض الحوادث الواقعة فى نجد لابن عيسى، إبراهيم بن صالح، 0 70  –  1300هـ – 1340 هـ/ 1918 م  (والمنشور خاص بالقرن التاسع عشر).

3-  روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذ وى الإسلام، ابن غنام (حسين)، جزءان، القاهرة 1949 م.

4 ـ كيف كان  ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، مؤلف مجهول، حقق المخطوط ونشره د. عبد الله صالح العثيمين،  دار الملك عبد العزيز، الرياض.

5 – لمع الشهاب فى سيرة محمد بن عبد الوهاب، مؤلف مجهول، نشره د. أحمد أبو حاكمة. بيروت 1967 م

6- الدولة السعودية الأولى، عبد الرحيم عبد الرحمن، 5 174- 1818 م، القاهرة 1969 م.

7- عبد الله على القصيمي ، الثورة الوهابية، القاهرة 936 1م.

8- أثار الدعوة الوهابية فى الإصلاح الدينى والعمرانى فى جزيرة العرب، محمد حامد الفقى،  القاهرة 1354 هـ.

9- الوهابيون والحجاز، محمد رشيد رضا، القاهرة 1925 م.

الغنــــــــــاء

اصطلاحا: هو فن من الفنون المتعلقة بالموسيقى.

ويقوم الغناء على التحكم فى الصوت لإخراجه وفقا لنغمة معينة، وعلى إمكانية التحكم فى النفس، الأمر الذى يسمح بأداء جمل طويلة، والتحكم فى الطبقات الصوتية المختلفة والانتقال بينها دون أن يتم ملاحظة ذلك. كما يقوم فى آن واحد على التوافق بين النغم والإيقاع وتطويع الخطاب.

إنه تعبير تلقائى منتشر بين البشر وأنواع كثيرة من الطيور، والدليل على تلقائيته وعالميته انتشاره بين الأطفال وبين مختلف الطبقات الاجتماعية سواء الأمية منها أو غيرها. والغناء على نغمات الموسيقى كان عادة مألوفة عند قدماء المصريين أثناء قيامهم بالعمل.

وقد تغنى بعض الشعوب بلا آلات موسيقية، إلا أن التاريخ لم يعرف وجود شعب بلا غناء… ولقد انتشر فن الغناء بين كل الشعوب التى على درجة ما من الحياة المنتظمة. لذلك نجد بعض السمات المشتركة فى موسيقى الشعوب والأمم.

والموسيقى الشرقية قائمة على اللحن أساسا وليس على التوزيع الهارمونى،  وعادة ما تكون حرة الإيقاع الذى يعتمد على آلة شديدة الوضوح. والسلم الموسيقى الشرقى قائم على الربع تون،  وهو يتكون من 24 درجة بدلا من الاثنتى عشرة درجة التى تقوم عليها الموسيقى الغربية- مما يضاعف من ثرائه  وإمكانيات تنوع عطائه الفنى. والزخارف النغمية من السمات الواضحة فيها، ويعد الارتجال التلقائى الإبداعى من أهم معالمها. والمعروف أن آلات النقر والعود والرباب والقيثارة والنقارة عربية الأصل ولها تأثير على أصل الموسيقى الغربية، إذ تأثرت الموسيقى الأسبانية بالموسيقيين العرب حتى أصبح لها مذاق خاص يصعب إغفاله. والثابت تاريخيا أن فن الغناء قد انبثق من فن الشعر وقوافيه. بل لقد نهض صرح الغناء العربى بكل عظمته فى مدة لا تزيد عن أربعين عاما فى القرن الهجرى الأول. وتعد هذه الوثبة سباقة فى تاريخ نشأة الفنون وتطورها. ثم عاش هذا الفن أكثر من ألف ومائتى عام فما يغنيه المطربون فى أيامنا من مقامات ومشتقاتها وإيقاعاتها هى نفس المقامات والأوزان التى ضبطها إسحاق الموصلى ضبطا دقيقا آنذاك، والذى كان المغنى والملحن الذى رسخت قواعد التلحين والغناء بعمله وعلمه.

وترجع أولى خطوات تنظيم أو منهجه فن الغناء إلى زرياب الذى غادر بلاط هارون الرشيد فى مطلع القرن التاسع الميلادى ليقيم بقرطبة فى أسبانيا. وكان زرياب يقسم منهجه فى تعليم فن الغناء إلى ثلاثة أقسام: الإيقاع، واللحن، والحليات.

وقد أنشأ ابن سريج صناعة الضرب بالعود وأدخل نغماتها إلى عروض الشعر العربى مما أدى إلى طفرة هائلة فى مقامات الغناء العربى الذى أصبحت له مدرستان فى آن واحد إحداهما فى مكة والأخرى فى المدينة. والثابت تاريخيا أن فن الغناء العربى المتقن قد بزغ كلمح البرق، وارتقى حتى أصبح يتميز على غناء الأمم والحضارات . بل لقد أصبح الغناء فن العرب الثانى بعد فن الشعر… وبذلك كان الشعر والغناء معا يمثلان بهجة الحياة لديهم. وصار الغناء وازدهاره دليلا على ازدهار الدولة حتى قال ابن خلدون فى مقدمته: “أول ما ينقطع فى الدولة عند انقطاع العمران صناعة الغناء”. وتعد الصحوة الثانية لفن الغناء العربى فى مصر فى منتصف القرن التاسع عشر على يد الشيخ شهاب الدين، بينما يعد الانبعاث الثالث له أيام عبده الحمولى ومحمد عثمان إلى سيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. ويشتمل تراث الغناء العربى القريب على أكثر من ألفى موشح ودور وقصيدة وطقطوقة غير الأغانى المسرحية والشعبية. والصعوبة الأساسية فى الغناء وأدائه لا تكمن فحسب فى ضرورة التمكن من مجالى الصوت والكلمات وإنما يتطلب الأمر الجمع بين جمال الصوت، وجمال النغم، وقوة وتنوع الإيقاع، ومعنى التعبير العاطفى،  وقوة ومعنى وجمال وتنوع الأداء بين الآلات.

ويعد أهم كتاب فى الغناء والموسيقى فى المائتى عام الماضية هو كتاب “سفينة الملك ونفيسة الفلك” المعروف باسم “سفينة شهاب” للشيخ شهاب الدين محمد بن إسماعيل (273 1 هـ- 856 1م) ويحتوى هذا الكتاب على مائة من الموشحات بكلماتها ومقاماتها  وإيقاعاتها.

أما أول كتاب عن الأصوات والغناء والموسيقى فهو “كتاب النغم ” للملحن المغنى يونس الكاتب، الذى شهد أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية، وسبق الأصبهانى بأكثر من مائتى عام.

وقد أثبت الكندى (874 م) أن الغناء فن قائم بذاته وليس فارسيا أو روميا كما قام الإمام أبو حامد الغزالى بتناول قضية تحريم أو إباحة الغناء فى كتاب “أداب السماع والوجد، وهو جزء من كتابه الكبير “إحياء علوم الدين” مستلهما نصوص الآيات والأحاديث، كما استند إلى القياس ليخرج بإباحة الصوت الجميل مدافعا عن حق الإنسان المتدين فى التعبير الفنى،  على أن يكون لذلك الفن آدابه وأصوله. فقد أوقف الرسول  (صلى الله عليه وسلم)   عائشة وراءه لرؤية رجال الحبشة

يغنون ويلعبون، ويعد هذا نصا صريحا فى أن الغناء ليس بحرام، شريطة أن يكون فنا أصيلا وليس مبتذلا. فالغناء الأصيل فطرة وفن وأدب… فطرة لا تصنع بالطبع والوجدان وإنما يدرك بهما، وفن لأن له نظما وقواعد وأصولا وأدبا، لأنه أبلغ الوسائل فى التعبير عن نجوى الضمير…

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: